الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )
574
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة
ظالم قد نصرتم ، وكم من مؤمن قد قتلتم ومثّلتم به ، وإلى اللّه مصيركم ومصيرهم ، وإلى اللّه مرد الأمور وهو أرحم الراحمين وهو المستعان على ما تصفون . وكتب إلى عمرو : زعمت أنّك تكره أن يصيبني منك ظفر ، وأشهد أنّك من المبطلين ، وتزعم انّك لي نصيح ، واقسم أنك عندي ظنين ، وتزعم أنّ أهل البلد قد رفضوا رأيي وندموا على اتباعي ، فأولئك لك وللشيطان الرجيم أولياء ، وحسبنا اللّه رب العالمين . فأقبل عمرو حتى قصد مصر ، فقام محمد في الناس فقال : معاشر المسلمين والمؤمنين ، إنّ القوم الذين كانوا ينتهكون الحرمة وينعشون الضلال ، ويشبّون نار الفتنة ويتسلّطون بالجبرية ، قد نصبوا لكم العداوة وساروا إليكم بالجنود . عباد اللّه ، فمن أراد الجنّة والمغفرة فليخرج إلى هؤلاء القوم فليجاهدهم . فلمّا دنا عمرو من كنانة سرّح الكتائب كتيبة بعد كتيبة ، فجعل كنانة لا تأتيه كتيبة إلّا شدّ عليها بمن معه حتى يقربها بعمرو ، فعل ذلك مرارا ، فلمّا رأى عمرو ذلك بعث إلى معاوية بن حديج فأتاه في مثل الدّهم ، فأحاط بكنانة وأصحابه واجتمع أهل الشام عليهم من كلّ جانب ، فلمّا رأى ذلك كنانة نزل عن فرسه ونزل أصحابه وكنانة يقول : وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نؤُتْهِِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نؤُتْهِِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ ( 1 ) . فضاربهم بسيفه حتى استشهد . وأقبل عمرو نحو محمّد وقد تفرّق عنه أصحابه - لمّا بلغهم قتل كنانة - حتى بقي وما معه أحد من أصحابه ، فلمّا رأى ذلك خرج يمشي في الطريق حتى انتهى إلى خربة في ناحية الطريق فأوى إليها ، وجاء عمرو حتى دخل
--> ( 1 ) آل عمران : 145 .